الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

34

انوار الأصول

وكعلم الأصول فإنّه يدور مدار المباحث الاعتباريّة والقوانين التشريعيّة « 1 » .

--> ( 1 ) توضيح ذلك : إنّ لنا نوعين من الإدراك : إدراك حقيقي وإدراك اعتباري ، والإدراك الحقيقي هو ما يكون المدرك فيه موجوداً في عالم الخارج مع قطع النظر عن الذهن المدرك له كإدراك السماء والأرض وزيد وعمرو وغيرها من الأمور الموجودة في عالم الأعيان . والإدراك الاعتباري ما يكون مدركه مخلوقاً لأذهاننا ومصنوعاً لها مثل الملكيّة والزوجيّة ، فانّ وجود « زيد » مثلًا في قضيّة « الدار لزيد » وجود واقعي في عالم الخارج وهكذا وجود « الدار » ، وأمّا النسبة الموجودة بينهما وهي نسبة الملكيّة أمر ذهني اعتباري مصنوع لذهن من يعتبرها ، وهكذا في قضيّة « هند زوجة زيد » فإنّ « زيداً » و « هنداً » كليهما أمران واقعيّان موجودان في الخارج ، وأمّا رابطة الزوجيّة الموجودة بينهما أمر ذهني قانوني فحسب ، وكذلك في جميع الأوامر والنواهي ، أي كلّ « افعل » و « لا تفعل » ففي مثال « لا تشرب الخمر » - للخمر وجود حقيقي في الخارج ، وأمّا حرمة الشرب فهي أمر اعتباري موجود في عالم الذهن ، وهكذا في مثل « اشرب الدواء » وأمثال ذلك . وبالجملة إنّ الأمور الاعتباريّة أمور فرضيّة يعتبرها الإنسان ويفرضها لرفع حاجات حياته ، ثمّ يرتّب عليها آثاراً مختلفة في حياته الاجتماعيّة . ويظهر من ذلك كلّه أمور : الأوّل : أنّ الأمور التكوينيّة أمور ثابتة في الخارج لا تتغيّر بالاعتبارات الذهنيّة ، ولو كان فيها تغيير وتكامل فهو تكامل جوهري داخلي ، وأمّا الأمور الاعتباريّة فهي أمور متغيّرة تتغيّر بتغيّر الاعتبار والجعل ، كما أنّ الأمور التكوينيّة أمور مطلقة ، فالشمس مثلًا مطلق لا إنّها تكون شمساً بالنسبة إلى زيد ولا تكون شمساً بالنسبة إلى عمرو ، وأمّا الأمور الاعتباريّة فهي أمور نسبية ، فالدار المعيّنة مثلًا ملك لزيد ولا تكون ملكاً لعمرو ، والفعل الفلاني مثلًا واجب على زيد وحرام على عمرو . الثاني : أنّ الأمور التكوينيّة تحكم عليها الاستدلالات المنطقية والفلسفية كقاعدة العلّة والمعلول ، واستحالة اجتماع النقيضين وارتفاعهما ، واستحالة الجمع بين الضدّين وتقديم المعلول على العلّة ، بخلاف الأمور الاعتباريّة فإنّها خارجة عن نطاق القواعد المنطقية والفلسفية ، ولذلك يمكن اعتبار نقيضين أو ضدّين أي فرضهما ، فيعتبر مثلًا أنّ هذا ملك لزيد ثمّ يعتبر ثانياً إنّه ليس ملكاً لزيد . نعم إنّه لغو يستحيل صدوره من الحكيم من هذه الجهة ، أي من باب عدم ترتّب الأثر المطلوب من هذا الجعل والاعتبار لا من باب الاستحالة العقليّة الخارجيّة ، فإنّ المقصود من الجعل في الأمور الاعتباريّة إنّما هو ترتّب أثر عقلائي ورفع حاجة من الحياة كما مرّ آنفاً ، وهو لا يترتّب على مثل هذا الجعل . الثالث : أنّه قد تصير الأمور الاعتباريّة منشأ لآثار تكوينيّة في الخارج بمعنى إنّها تصير سبباً لانقداح إرادة فعل أو كراهته في نفس الإنسان فيفعل عملًا أو يتركه ، وهو يوجب إيجاد أمر تكويني في الخارج ، فمثلًا الأمر بالصيام في شهر رمضان يوجب انقداح إرادة الصّيام في نفس المكلّف فيصوم ، والصّيام يصير منشأً وسبباً لسلامة البدن ، وهكذا اعتبار قوانين المرور مثلًا فانّه يوجب انقداح إرادة مراعاتها ، والمراعاة الخارجيّة توجب حفظ النفوس والأموال ، كلّ ذلك للعلم بأنّ العقلاء يرتّبون آثاراً خاصّة على هذا الوجود الاعتباري ، أو إنّ الشارع المقدّس يرتّب عليه آثاراً مختلفة ، ففي الواقع باعث الحركة الخارجيّة هو الآثار التكوينيّة التي نعلم بترتّبها على تلك الأمور الاعتباريّة من ناحية الشارع أو العقلاء في الحال أو المستقبل ، وحينئذٍ يكون الباعث لحدوث أمر تكويني في الخارج في الحقيقة هو أمر تكويني سابق عليه لا الاعتبار الذهني . إذا عرفت هذا كلّه فنقول : إنّ من أقسام الأمور الاعتباريّة التشريعيات التي منها مسائل الفقه ( أو الحقوق ) وهكذا أصول الفقه فلا سبيل إليها للقواعد المنطقية والفلسفية الجارية في خصوص الحقائق الخارجيّة كقاعدة الواحد أو أحكام العرض والمعروض ( بأن يقال : الصّلاة مثلًا معروض والوجوب عرض ) أو استحالة اجتماع الضدّين ( بأن يقال مثلًا : اجتماع الأمر والنهي محال لاستحالة اجتماع الضدّين ) . نعم اجتماع الضدّين وأشباهه باطل في الأمور الاعتباريّة لكن لا من جهة الاستحالة بل من باب كون اعتبارها لغواً ، واللغويّة شيء والاستحالة شيء آخر . والإنصاف أنّ الخلط بين المسائل الاعتباريّة والأمور الحقيقيّة وإدخال الثانيّة في الأولى أورد ضربة شديدة على مسائل علم الأصول بل مسائل الفقه أيضاً ، كما أنّ إدخال الأولى في الثانيّة وتصوّر إنّه لا حقيقة مطلقة في الخارج بل جميع الأمور حقائق نسبيّة ( كما توهّمه النسبيّون من الفلاسفة المادّيين ) أوجب إرباكاً عظيماً في مسائل الفلسفة . وبالجملة فإنّ قاعدة الواحد لا ربط لها بالعلوم الاعتباريّة التي منها علم الأصول بل لا دخل لها حتّى في العلوم الحقيقيّة كعلم الطبّ لأنّ وحدة مسائل كلّ علم أمر اعتباري وإن كانت موضوعات مسائله اموراً واقعية خارجيّة .